الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

226

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

قال الشاعر عن لسان حالهم : أقول وما أذنبت قالت مجيبة وجودك ذنب لا يقاس به ذنب فهم عليهم السّلام وإن لم يلحظوا أنفسهم في وجدانهم بين يدي ربّهم لفنائهم حين ذاك عن أنفسهم ، ولكنهم موجودون في نفس الأمر فهم : يثقل عليهم ذلك الوجود الواقعي المغفول عنه لهم أيضا . وهنا بيان يوضح كيفية فنائهم عن أنفسهم عليهم السّلام ومحوهم في ربّهم ، وحاصله : أن من جرد نفسه عن كل اعتبار عرف ربّه حين فقد نفسه وفقدان وجدانه ، فحينئذ يظهر له ربّه بوجوده أي بوجود نفسه قال الشاعر : حين تغيبت بدا حين بدا غيبني وتوضيحه : أن وجوده الذي ظهر ربّه به حينئذ ، أي حين فنائه عن نفسه ، هو آية ربّه ودليل ربّه على نفسه وصفة ربّه التي عرفه بها ، أي صفة ربّه التي عرف اللَّه تعالى نفسه لعبده بهذه الصفة ، كما تقدم بيانه سابقا ، وعلمت أن حقيقة النفس الإنساني الناطقة هو الموجود الذي إذا عرفها الإنسان فقد عرف ربّه ، بهذا البيان وبالبيان المتقدم سابقا فالواصل الفاني عن النظر إلى نفسه لا يدرك إلا الحقيقة ، التي هي وصف ربّه تعالى لنفسه تعالى ، وقد ظهر ذلك الوصف بهذا الوجود ، فالفاني حينئذ نفسه مفقود من الوجدان ، ومن أن يجده أو يتوجه إليه بمعنى أن الواصل الفاني لا يجد نفسه ، بل يجد وصف ربّه ، وهذا الوصف الإلهي وإن كان في الحقيقة هو نفسه أي نفس الواصل ، إلا أن المعرفة والمشاهدة الحاصلة للفاني حينئذ لا تكون بلحاظ نفسه الخلقي الحجابي المتوجه إليه من حيث هي هي ، بل هذه المعرفة والمشاهدة تكون له من حيث هي صفة له تعالى قد ظهرت في هذا العبد . وبعبارة أخرى : وإن كان للعبد الفاني وجوده إلا أنه ملحوظ بلحاظ ، وأنه صفته تعالى لا بلحاظ أنه موجود مستقل ، ويشير إلى هذا ما في كلام الصادق عليه السّلام في